سليمان عليه السلام.. الملك والنبوّة وأسرار التسخير
عبر العصور
ظلّت قصص الأنبياء معيناً لا ينضب من العِبَر والحكم، وواحاتٍ يتزوّد منها المؤمنون إيماناً ويقيناً.
وقد اختار الله تعالى من بين أنبيائه رسلاً قصّ علينا أخبارهم بتفصيل، بينما اكتفى بذكر أسماء آخرين دون إطناب. ومن بين هؤلاء الذين فُصّلت سيرتهم في القرآن الكريم نبيّ الله سليمان عليه السلام، الذي جمع بين النبوّة والملك، وأوتي من الخواص ما لم يؤتَ أحد من العالمين.
الأنبياء في القرآن بين التفصيل والإيجاز
سأل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه رسول الله ﷺ: "هل كان آدم نبيًّا؟
" فقال: "نعم، نبيًّا مكلّمًا". وسأله عن عدد الرسل فقال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، منهم ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا". ومع هذا العدد الهائل من الأنبياء، لم يذكر الله في كتابه العزيز إلا أسماء خمسة وعشرين منهم.
بعضهم لم يُفصَّل ذكره، كإلياس واليسع، فلم يرد إلا الاسم دون سرد الأحداث. وبعضهم ذُكر شيء يسير من قصته، مثل نوح ولوط وصالح وهود عليهم السلام. بينما فُصّلت سيرة أنبياء آخرين كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد عليهم الصلاة والسلام.
أما موسى عليه السلام فقد حاز النصيب الأكبر، إذ ورد اسمه في القرآن أكثر من 183 مرة، وقُصّت ملامح حياته منذ مولده إلى بعثته ورسالته وصراعه مع فرعون. وكذلك سليمان عليه السلام، فقد جاء ذكره مرتبطاً بآيات الإعجاز، والتسخير، وملوك الأرض.
سليمان عليه السلام.. النبي الملك
خصّ الله تعالى سليمان بميزات فريدة، منها علمه بلغة الطير وفهمه لمنطق النمل.
وقد جاءت قصص عديدة تؤكد ذلك
- من بينها أنه مرّ مع أصحابه براعي غنم
- فسمع شاةً تنادي صغيرتها المتأخرة قائلة
- "الْحَقي بنا قبل أن يأكلك الذئب كما أكل أختك العام الماضي".
فلما تحقق أصحابه من الأمر وجدوه حقًّا.
وفي موقف آخر، مرّ سليمان بامرأة على بعيرها، وكان البعير يتألم ويصيح.
فسأله أصحابه عن ذلك، فقال: "إنه يطلب منها أن تزيل إبرة في أسفل الرحل تؤذيه". فلما فحصوا الرحل وجدوا الإبرة كما قال. فسبحان من علّمه منطق الحيوان والطير.
تسخير الجن
ومن أعجب ما أُوتي سليمان عليه السلام تسخير الجن. فقد كانوا يصنعون له ما يشاء من محاريب وقدور عظيمة لا يطيق البشر حملها، وجفان كالبرك يطبخ فيها الطعام. وكانوا يعملون بأمره في البناء والغوص واستخراج المعادن. وإن تمرّد بعضهم قيّدهم بالأصفاد حتى يأذن الله.
وقد روي أن النبي ﷺ كاد أن يربط شيطانًا بسارية المسجد ليلعب به صبيان المدينة، ثم تذكر دعوة سليمان عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي}، فتركه.
قصة الجسد على الكرسي
ابتُلي سليمان بفتنة حين أراد أن يطوف على مئة امرأة لتلد كل واحدة فارسًا يجاهد في سبيل الله، ولم يقل: "إن شاء الله". فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، وولدت نصف إنسان. وكان ذلك تذكيراً له بأن القوة والملك بيد الله، وليست بقدرة البشر.
وقد قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ}.
ثم أناب إلى الله وقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}، فاستجاب الله له وسخّر له الجن والريح.
سليمان والخيل
كان سليمان فارسًا محاربًا، يعدّ الخيل للجهاد في سبيل الله.
وذات يوم استعرض جياده حتى غابت الشمس وفاتته صلاة العصر، فتنبه لذلك وقال: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}. فاختلف المفسرون: أهو نحرها وتصدق بها، أم مسح على أعناقها وأرجلها مكافأة لها؟ والأصح أنه مسح عليها ولم يقتلها، إذ لا يعقل أن يذبح خيله التي أعدها للجهاد.
وفاته عليه السلام
مات سليمان وهو متكئ على عصاه يراقب الجن وهم يعملون.
فظنوا أنه حيّ، فظلوا يعملون في خدمته حتى أكلت دابة الأرض منسأته، فلما خرّ تبينوا موته، وعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب. قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ}.
سليمان وبلقيس
ومن أبرز أحداث حياته قصته مع ملكة سبأ. فقد أخبره الهدهد بخبرها وقومها الذين يعبدون الشمس. فأرسل إليها بكتاب كريم، ثم دعاها إلى الإسلام. وأراد أن يظهر لها من آيات الله، فجيء بعرشها العظيم من سبأ إلى بيت المقدس في لحظة خاطفة، على يد عفريت من الجن، بل أسرع من ذلك رجل عنده علم من الكتاب.
فلما رأته، قالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وكان الصرح الممرد من قوارير عجبًا لها، إذ حسبته ماء فكشفت عن ساقيها، فتبين لها إعجاز ما صنع الله على يدي نبيّه.
سليمان والنملة
ومن المشاهد المؤثرة قصته مع النملة.
إذ مرّ بجيشه على وادٍ للنمل، فقالت نملة: {يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}.
فقد جمعت في كلماتها أربعة أمور: نادت، وأمرت، وعللت، واعتذرت. نادتهم بقولها "يا أيها النمل". وأمرت "ادخلوا مساكنكم". وعللت: "لا يحطمنكم سليمان وجنوده". واعتذرت: "وهم لا يشعرون".
فلما سمع سليمان تبسم ضاحكًا وقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}.
دروس وعبر
-
أن المُلك والعلم والنبوة كلها عطايا من الله، لا بجهد الإنسان وحده.
-
أن الغفلة عن ذكر الله قد تقع من الصالحين، لكنهم سرعان ما يعودون.
-
أن الجن مخلوقات مسخرة، لا تعلم الغيب ولا تملك من الأمر شيئًا.
-
أن الاعتذار وحسن الخطاب حتى من نملة درس بليغ في العدل والرحمة.
-
أن الشكر على النعم واجب، إذ قال سليمان: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}.
الخاتمة
لقد كانت سيرة سليمان عليه السلام أنموذجًا فريدًا لاجتماع النبوّة بالملك، والتسخير بالقوة، والعدل بالحكمة. قصصه لم تروَ لمجرد التسلية، بل لتبقى هداية وعبرة، ودروسًا تتجدد مع كل زمان.