جريح رأى رؤيا عن المستقبل.. قصة من غزة
في قلب المآسي التي تعصف بأهل غزة، حيث يختلط الدم بالصبر، وتتشابك الدموع بالدعاء، تخرج إلينا قصص تشبه الأساطير، لكنها ليست خيالًا ولا نسجًا من قصص ألف ليلة وليلة، بل هي حقائق من أرض الكرامة والصمود. من بين هذه القصص المؤثرة، تبرز حكاية الشاب عائد، الذي نجا من قصف عنيف فقد فيه والديه، ليعيش تجربة روحية مدهشة تُحاكي عالم الغيب وتفتح أبواب الأمل في قلوب المكلومين.
بداية الحكاية
كان يوم الثالث عشر من أكتوبر لعام 2023 يومًا مفصليًا في حياة عائلة فلسطينية تسكن شمال غرب غزة.
اشتد القصف في تلك الليلة القاسية، ورفض الوالدان النزوح رغم كثرة النداءات والتحذيرات. بقي الابن عائد معهما، بينما ظل أخوه ثائر يتواصل عبر تطبيق الواتساب، مؤنسًا لهم طوال الليل، محاولًا أن يخفف من روعهم.
في الثانية فجرًا
بعث الأب رسالة وداعية على مجموعة العائلة:
دعاءٌ بالرضا والرحمة، ووصايا للأبناء أن يتراحموا، وأن يرعوا شقيقتهم الصغرى. كانت كلمات غريبة في توقيتها، أشبه بوصية مودّع، حتى بدت وكأنها إنذار رباني لما هو آت.
الفاجعة الكبرى
- مع حلول الخامسة صباحًا، بدأ القصف يقترب أكثر
- وأرسل عائد رسائل متوترة عن شدة الانفجارات.
- حاول أن يطمئن أخاه: "نم قليلاً، نحن بخير".
لكن لم تمض ساعات حتى اهتزت الأرض تحت البيت، وانهار الركام على من فيه. استشهد الأب والأم على الفور، بينما أصيب عائد بجروح غائرة في كل أنحاء جسده، غارقًا في دمائه، يزحف بصعوبة بين الحجارة والغبار، غير قادر على إنقاذ أحد.
ظل نصف ساعة ينزف، يقترب من جثماني والديه، راجيًا أن ينال الشهادة معهم، لكن القدر أبقاه حيًا. بعد جهدٍ عظيم، تمكن من الاستغاثة، فنقل إلى مستشفى الشفاء وهو بين الحياة والموت.
بين الحياة والموت
في المشفى كان المشهد مأساويًا: مئات الجرحى، قلة في الأسرّة، وفوضى من الألم والصراخ. لم يجدوا له مكانًا إلا على الأرض قرب عمود في الممر. وبينما كان الأطباء والممرضون منشغلين بالجرحى، أغمي على عائد، وهناك بدأت رحلته العجيبة.
يقول عائد:
"رأيت طاقة من نور فتحت أمامي، وسمعت هاتفًا يحدثني دون أن أراه: يا عائد، أمرنا أن نفصل روحك عن جسدك الآن، ونأخذك إلى الملأ الأعلى."
شعر بخفة روحه وهي تنفصل، ووجد نفسه يسير على البراق في ممرات نورانية حتى وصل إلى مكان مهيب يفوق الوصف، مليء بالمناظر الخلابة والسكينة، حيث كان الأطفال والشهداء يرددون تكبيرات العيد.
لكن الهاتف أخبره في النهاية: ستعود إلى الدنيا، لك عمر لم يكتمل بعد، جئنا بك هنا لنطمئنك.
عاد عائد إلى جسده بألم شديد، كأن جسده اصطدم بجدار صلب بسرعات هائلة. فتح عينيه ليجد نفسه ما يزال على أرض المشفى، وقد خُيطت جراحه بما يزيد على خمسين غرزة من رأسه حتى قدميه.
الرؤيا الثانية
- بعد أيام، وبينما كان يتعافى في بيت شقيقته التي تكفلت برعايته تنفيذًا لوصية والده
- غلبه النوم وهو يبكي على فراق والديه. هناك رأى رؤيا أخرى
- كان في سيارة مع رجل لا يعرفه
ربما هو الهاتف نفسه من الرؤيا السابقة. قال له الرجل: لماذا تبكي؟ ألم نطمئنك؟ ثم ناوله بندقية، وأخبره: سنذهب إلى صلاة العشاء ثم التراويح، وأبلغ يا عائد: هذا هو الفتح المبين.
كانت هذه الرؤيا رسالة أخرى محملة بالثبات والبشارة، وكأنها إشارة إلى أن ما يحدث هو بداية لمرحلة جديدة، وعد رباني بالنصر.
بين الكرامة والبشارة
قصة عائد ليست مجرد سرد لمعاناة جريح فقد والديه، بل هي نافذة على عالم الغيب الذي لا نعلمه. فقد أكدت الرؤيا أن والديه في منازل عالية في الجنة، وأن الصبر على البلاء هو الطريق إلى الغرفات العلى التي وعد الله بها عباده الصابرين:
"إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ"
كما أظهرت خطورة الدَّين وحقوق الناس، فحتى الشهداء قد يُحرمون من أعظم المنازل إن لم يؤدوا ما عليهم من حقوق.
رسائل إيمانية عميقة
من خلال هذه التجربة، نستخلص عدة رسائل عظيمة:
-
الصبر على البلاء: مهما كانت المصيبة عظيمة، فإن الصبر والرضا يرفعان العبد إلى مراتب عالية.
-
الديون لا تُغفر إلا بالسداد: هي رسالة تحذيرية لكل مسلم أن يؤدي حقوق الناس ولا يستهين بها.
-
الرؤيا الصادقة من المبشرات: كما قال النبي ﷺ: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات". والرؤيا الصالحة بشارة من الله لعباده.
-
البشارة بالنصر: الرؤيا الثانية حملت معاني الفتح، وهي رسالة أمل بأن وراء الدماء والدمار وعدًا إلهيًا بالتمكين.
-
السكينة في قلب المبتلى: كما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين في أشد اللحظات، جعل من رؤية عائد نورًا يخفف عنه مصيبته.
ما وراء القصة
إن فقدان الوالدين دفعة واحدة مصيبة كبرى، قد تهز أعتى القلوب. لكن الله عوّض عائد برؤى وبشارات من السماء، ليطمئنه ويقوي قلبه. هي تجليات قوله تعالى:
"هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَـٰنًۭا مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ"
قصة عائد ليست استثناءً، بل هي إحدى النفحات الربانية التي يمنّ الله بها على عباده المبتلين، لتكون بلسماً لهم، وشهادة للآخرين أن نصر الله قريب، وأن الغيب مليء بالكرامات.
خاتمة
من بين ركام البيوت وأصوات القذائف، يخرج صوت جريح من غزة ليحكي رؤيا عن المستقبل. رؤيا لم تكن مجرد حلم، بل بشارة بالجنة لوالديه، وإنذار بشأن حقوق العباد، وبشارة بالفتح المبين.
قصة عائد تذكير لنا جميعًا أن وراء الألم حكمة، وأن وراء البلاء رحمة، وأن الله قريب من عباده، ينزل عليهم السكينة في أشد اللحظات.
إنها ليست قصة من الخيال، بل حقيقة من أرض غزة، لتثبت أن نور الله لا ينطفئ، وأن رحمته تسبق غضبه، وأن دماء الشهداء لا تذهب سدى. هي قصة جريح رأى المستقبل، فرأى فيه بشرى النصر وكرامة الشهادة، وعلم أن الحياة مهما قست، فإن وعد الله حق، ونصره قريب.