استدعاء الخُدام بين الوهم والخطر
في السنوات الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل قنوات تحمل أسماء براقة مثل أسرار العارفين، تقدم ما يُسمى بـ"المجربات الروحانية".
في ظاهرها، يكسوها ثوب ديني، لكنها في جوهرها تحمل بذور الانحراف العقدي والخطر الروحي. من بين هذه القنوات ما يروّج لفكرة أن تكرار البسملة أو الحروف المقطعة بأعداد محددة مثل 19، 111 أو 1111 كفيل بفتح أبواب الرزق أو كشف مكان السحر أو التعجيل بالزواج. ظاهريًا قد يبدو الأمر دعاءً أو ذكرًا، لكنه عند التمحيص يكشف عن ممارسات خطيرة تضرب بجذورها في السحر القبالي والطقوس الغنوصية.
خلط الأوراد بالقبالات
ما يقدمه هؤلاء الدعاة الجدد لا يتوقف عند تكرار الأذكار، بل يتعمق في توظيف أرقام معينة بزعم أنها مفاتيح كونية. يتحدثون عن كهيعص و طسم وكأنها طلاسم سرية، ويحددون لها أعدادًا لا أصل لها في السنة ولا في الوحي. هنا يبدأ الخلط: فالذكر الشرعي له أصل في النصوص، أما تقييد الأعداد بغير ما ورد، واعتبارها وسيلة حتمية لقضاء الحاجات، فهو ابتداع يفتح الباب أمام الشرك. العلماء قديمًا أكدوا أن تكرار القرآن للورد أو الحفظ لا حرج فيه، لكن ربط التكرار بأرقام بعينها وادعاء خواص سحرية هو عين الباطل.
السحر في عباءة إسلامية
المثير للدهشة أن هذه الأساليب ليست جديدة؛ بل هي امتداد لعلوم السحر القديمة التي وثّقها اليهود في بابل، وعُرفت بالسحر القبالي. يقوم هذا النوع من السحر على أرقام ورموز تُسمى "الأكواد الكونية"، مثل 11 و111 و369.
يتم الترويج لها اليوم تحت شعارات براقة: قانون الجذب، الطاقة الروحية، تفعيل الشكرات… كلها مسميات عصرية تُخفي حقيقة واحدة: استدعاء قوى شيطانية بزعم أنها طاقة أو ملائكة. هذا الخداع يجعل البسطاء يظنون أنهم يمارسون عبادة بينما هم في الحقيقة يقدمون قرابين للشياطين.
كيف ينتشر الوهم؟
المتابع لمثل هذه القنوات يلاحظ سرعة الانتشار وقوة الإقناع. صاحب القناة يبدأ حديثه بآيات قرآنية أو أحاديث، ثم ينزلق شيئًا فشيئًا لطرح ممارسات لا أصل لها.
يُشبه الأمر بجرعة سُم مخلوطة بعسل: يستدرج المتلقي باسم "المجربات الإسلامية"، ثم ينتهي به إلى أحجار كريمة وتمائم وأوراق يُقال إنها تمنح "تحكمًا مشروعًا" بالآخرين. في الواقع، هذا هو السحر ذاته، سواء سُمّي "نافعًا" أو "ضارًا".
فالسحر كله كفر، كما قرر العلماء قاطبة، ولا وجود لما يسمى سحر أبيض أو روحاني بريء.
شهادات وتجارب مريرة
الفيديو يلفت الانتباه إلى شهادات أناس جرّبوا هذه "المجربات"، فوجدوا حياتهم تنقلب رأسًا على عقب: وساوس، قلق، أمراض جسدية ونفسية. هذا ما يسميه السحرة
"شهر العسل الروحاني":
يمنح الشيطان للإنسان بعض المكاسب الموهومة في البداية، ثم ينقض عليه بالضرر والخراب. هنا تتجلى خطورة الخداع: ضحية تسعى للشفاء أو الرزق أو الزواج، فتخرج من التجربة أكثر ألمًا وضياعًا.
اللعب بالمصطلحات
من أخطر أساليب هؤلاء الدعاة هو تغيير الأسماء: السحر يُسمى "طاقة"، الطلسم يُسمى "مجربة"، الاستعانة بالجن تُسمى "تأمل" أو "قانون جذب".
هذا التلاعب اللغوي يخفف وقع الجريمة ويجعلها مقبولة اجتماعيًا. لكن الحقيقة تبقى: كل استعانة بغير الله شرك، وكل اعتقاد بأن الكون أو الأرقام تملك تصريف الأقدار هو عبادة لغير الله. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}.
المخرج: العودة إلى السنة
ما الحل إذن؟ ليس في طلاسم ولا في أكواد كونية، بل في الرجوع إلى ما صح عن النبي ﷺ: أذكار الصباح والمساء، قراءة سورة البقرة، تكرار المعوذات ثلاثًا، والدعاء باسم الله الأعظم.
هذه أوراد شرعية تورث الطمأنينة والحفظ من الشرور. والأنبياء أنفسهم إذا ألمّ بهم الكرب لجؤوا إلى الله بالصلاة والدعاء، لا بأرقام ولا بطلاسم. فلو كان في هذه الأرقام سر رباني، لنقلها إلينا الوحي.
دعوة إلى الوعي
الفيديو يطلق صرخة تحذير: نحن أمام غزو روحي خطير، يستغل الحاجات الإنسانية البسيطة ليغرس في القلوب عقائد شركية. المطلوب اليوم أن يتحرك الدعاة وأصحاب الوعي لتفنيد هذه الخرافات، ونشر العلم الشرعي الصحيح، وتحصين الشباب بالعلم والذكر.
فالمعركة لم تعد في ساحات القتال فقط، بل صارت في الفضاء الرقمي حيث يسهل نشر الباطل بملايين المشاهدات.